|
::
رسالة
خالد سامي الجمل
لا يا أبي .. لا تفعلها مرة أخري وتقوم
بحرق الرسالة .. هي الرسالة الثامنة التي
أكتبها لك مستعينا بصديقي حسن .. أرجوك لا
تحرقها كما أحرقت الرسائل السابقة .. فحسن
يقول بأنك تحرقهم ولا تقرأهم . وأنا أصدق
حسن .
أذكر أنني عندما سألت أمي عنك لم تقل شيئا
.. حتي كلامي معها لا يدور مثلما تدور
أحاديث أم أيمن مع إبنها أيمن . فهو
يسألها وهي ترد .. هو يطلب منها وهي تلبي
.. إنه يغيظني كثيرا . فهو لا يكتفي
بمضايقتي وضربي علي قفاي .. بل يصف أمي
أيضا بالخرساء ؛ وهو يخرج لي لسانه في
كراهية . وبالرغم من أنني لم أكن أعلم
معني هذه الكلمة إلا ان عادل وسمير البدين
يضحكون عند ذكره لذلك .. ولا يسعني إلا أن
أضربهم بالطوب غاضبا منهم .
كل كلامي مع أمي كان بالإشارة .. فعندما
أجوع أشير إلي فمي المفتوح بأصبعي ..
وعندما يناديني حسن لأذهب معه لمشاهدة
التلفزيون في بيته أشير إلي الباب المكسور
في لهفة .
إن جميع جيراني لهم أباء .. وأمهات
يتكلمون كل الوقت .. ذات مرة سألت عم
سلطان النجار الذي أعمل عنده عنك .. ولكنه
سبني وقال لي "عد إلي عملك يا حمار يابن
الحمار" .. ثم ضربني ولم يعطيني (رُبع
جنيه) عند نهاية اليوم . وضربني علي
مؤخرتي بالعصا بدلا من ذلك .
بالأمس وأنا جالس علي عتبة باب الست خديجة
التي تعمل أمي عندها سمعت صراخ أمي ؛
فدخلت خائفا لأجد عم جمال يحاول شق هدوم
أمي بلا سبب .. هي لم تفعل له شيئا ..
وكنت خائفا منه جدا .. فجلست أبكي حائرا
ماذا أفعل .. ضربته أمي علي وجهه ضربة
قوية تذكرني بضربة عم سلطان لي عندما
أوقعت الخشب علي الأرض .. ولكن عم جمال
ضربها علي رأسها بالقبقاب الخشبي ليعلو
صراخها ؛ ويزداد بكائي .. حاولت أن أضربه
ولكنه ضخم جدا .. كان يشبه الفيل الذي
رأيته ذات مرة في التلفزيون عند حسن ..
حتي أنه ضربني أنا وأمي بعصا المكنسة
لنخرج من الشقة .. فأمرني قائلا "لا تأتي
إلي هنا أنت وأمك مرة أخري يابن الزانية"
.. أذكر مرة أنني سألت أم حسن عن معني تلك
الكلمة ولكنها لم تقل شيئا وإكتفت بقول
أنها (كلمة عيب) ويجب ألا أذكرها مرة أخري
.
لا أدري لماذا يفعل عم جمال ذلك ؟ سألت
أمي لما فعل ذلك فلم ترد .. فقط كانت تبكي
في سكون .. تنظر إلي صورتك المعلقة علي
جبين الحائط .. حينها دعوت الله أن تكون
معنا مرة أخرى .
تقول أم حسن أنك وجدت مكانا أخر لتسكن فيه
.. إنني أعرف هذا المكان .. آتي إليه كل
مرة لأحاول أن أراك وأقنعك بالمجئ معي
ولكنك لا تخرج منه .. حتي أنني ذات مرة
إنتظرتك أمام الباب طوال اليوم .. ولكنك
لم تخرج .. أذكر هذا اليوم لأن أمي ضربتني
فيه بقطعة خشب أعطاها لها عم سلطان
لتأديبي .. أنا أكره عم سلطان .
نسيت أن أقول لك يا أبي أن أم حسن أعطتني
هذا الصباح (خمسين قرش) كاملة .. حتي أنني
طرت بها أنا وحسن لنلعب أجمل لعبة في
الدنيا .. وذهبنا إلي عم سيد لنركب
(المرجيحة) .. وذهب معنا أبو حسن .. وكنت
أتمني أن يرانا أيمن و أصحابه لأغيظهم كما
فعلوا من قبل .. ولكني طلبت من عم سيد أن
يخبرهم عندما يراهم .. ولكني كنت حزين لإن
أبا حسن هو من كان يدفع المرجيحة بيديه ..
وكنت أتمني أن تكون معي .. تدفعها بدلا
منه .
أبي .. إن أمي ذاهبة إليك اليوم .. هذا ما
قالته لي أم حسن .. فبعد ما فتحت تلك
الزجاجة الخضراء ورشت وجهها وجسمها .. ثم
أخرجت من جيبها علبة الثقاب التي كانت
تخبئها مني ؛ فهي تعرف أنني أحب إشعال
الثقاب ؛ قامت بإشعال عودا من العلبة
فبدأت تحترق كما تحرق أنت رسائلي .. ولكني
أعرف أنها سوف تأتي إليك الليلة لتعيش معك
.. قالت لي ذلك أم حسن .. ربما فعلت ذلك
لتأتي إليك وتقنعك بأن تترك مكانك وتأتي
إلينا مرة أخري .. ولكنها لا تتكلم ..
خرساء كما يقول أيمن .. ولكني سوف أضع هذه
الرسالة في يدها ؛ قبل أن تذهب إليك ..
سوف أقول لها في أذنها أن تعطيها لك ..
أتمني يا أبي أن تقرأها .. وأرجوك .. لا
تحرقها مرة أخري .
|