الحكيم فنكش
 
 
 

قائمة الحلقات | راسل فنكش | الرجوع لإكسبهم


 

advertisement

للناجحين فقط.. حمل مجانا ملفات تهمك
 
 
 
 

:: الحلقة السادسة: "على كوبري أكتوبر"

الحكيم فنكش


- " ايه يا بني.. هاتجريني وراك ولا إيه"

قالها الرائد "عاطف" خال "فنكش" والذي يعمل في حرس الجامعة هو يصافح ابن أخته الوحيدة.
ابتسم "فنكش" الذي استدار وزاد على المصافحة عناقا حارا وهو يقول:

- "ازاي بقى يا خالو.. أنا كنت سرحان بس مش أكتر"

ابتسم الرائد "عاطف" والذي بدى في الخامسة والثلاثين من العمر, وبدا كأنه ورث ملامحه لإبن أخته.. فقد كان الأخير شديد الشبه به, وقال مداعبا "فنكش":

- "ومين اللي واخد عقلك بقى يا بطل؟؟"

كان يعلم تماما أن ابن اخته انشغل لفترة سابقة في التودد لإحدى طالبات الحقوق, لكنه لم يرد أن يثير الموضوع, لذلك فقد جذب "فنكش" من يده مغادرا وهو يقول:

- " مش انت مروح؟؟ طيب يلا أوصلك في سكتي"

وتمشيا معا حتى بارك السيارات القريب وهما يتبادلان الدعابات, وما ان ابتلعهما فراغ الهيونداي الحمراء حتى قال "عاطف" وهو يدير محرك السيارة:

- " آه صحيح.. ليه ماقعدتش النهاردة في الجامعة.. انت ماعرفتش ان قناة الحلم بتصور مع الطلبة؟؟"

أجاب "فنكش" وهو يحكم ربط حزام الأمان:

- " والله يا خالو أنا بتحرج أقف في المحاضرة أسأل الدكتور.. يبقى هاقف قدام كاميرا وقدام العالم كله أتكلم.. بصراحة ما قدرش"

انطلقت السيارة بهدوء خارج "البارك" و"عاطف" يقول ضاحكا:

- " وبتتكسف من ايه إن شاء الله يا سي فنكش.. انت مش راجل ولا إيه؟"

ضحك "فنكش" بدوره مجيبا:

- " مش مسألة مرجلة يا خالي.. بس زي ما تقول ما تعودتش على كده.. على المواجهات الإجتماعية يعني.."
- "انت عارف أختك وجوزها.. من وأنا صغير وهما بيخافوا عليا.. مفيش خروج كتير.. مفيش احتكاك كتير.."

وتنهد متابعا:

- "علشان كده مش متعود قوي على مواجهة الناس.. زي ما تقول بقت عقدة كده"

حلت محل علامات "التهريج" على وجه "عاطف" علامات "جدية" شديدة وهو يفكر في المشكلة العويصة التي تكتنف شخصية ابن أخته العزيز

- "عارف يا شادي.. أنا برضه كان عندي المشكلة دي وأنا في سنك"

أثارت كلمات الخال انتباه "فنكش" الذي أعاره السمع جيدا و "عاطف" يتابع:

- "عارف حليت المشكلة دي ازاي؟"

وأكمل كلامه قبل أن يتلقى ردا من "فنكش":

- "كنت بحط نفسي في مواقف صعبة.. وأفرض على نفسي اني اتصرف"

وابتسم متابعا:

- "هاضحكك.."
- "حدث ان في أول سنة ليا في كلية الشرطة كنت قاعد في المحاضرة والمحاضر سأل سؤال والكل ما كانش عارف الإجابة.. وأنا الوحيد اللي كنت عارف.. بس اتكسفت أرفع إيدي"
- " وكلنا أخدنا تقديرات سيئة بسبب هذا الموقف على الرغم من اني كنت ممكن أنقذ الكل لو كنت رفعت ايدي"

وسكت برهه قبل أن يلتفت بالسيارة في اتجاه مدخل كوبرى "أكتوبر" الذي سيسلكه في طريقه لمدينة نصر.. ثم تابع:

- " بعده بكام شهر.. تكرر موقف مشابه.. كنت برضه في محاضرة.. وما كنتش فاهم حاجة معينة.. وكان نفسي أسأل فيها.. لكن برضه الإحراج كان مسيطر عليا"
- "وساعتها معرفش ليه قلت لنفسي: انت هاتظل محرج لغاية امتى؟ هل هاتقضى عمرك كله وانت بتتكسف كده.. ارفع ايدك بلاش قلة أدب"

وضحك "عاطف" متابعا:

- "وفعلا وجدت ايدي بتترفع لوحدها.."

ضحك فنكش وهو يتخيل الموقف, وتعالت ضحكة الخال الذي تابع:

- "ولقيت المحاضر بيلتفت ليا وبيشور عليا.."
- "قلت في نفسي: يانهار مش فايت.. ده أنا هاقوم.. وهاسأل سؤال قصاد 500 طالب.. وممكن ألخبط.. أعمل إيه؟ أعمل إيه"

وتابع:

- "بس طبعا, ما كانشي فيه فرصة للتراجع.. قمت وسألت السؤال.. والغرابة اني سألت بثقة كبيرة جدا, كأني متعود على المواجهات من قبل كده بكتير"

والتفت لإبن اخته مضيفا:

- " من ساعتها اتعلمت درس مهم.."
- "الصعوبة مش في الموقف نفسه.. الصعوبة في انك تتخذ القرار لخوض الموقف"
- "وده عايز بس شوية جرأة هاتكتسبهم مع الوقت.."

شرد "فنكش" قليلا مفكرا في كلام خاله, ووجد نفسه مقتنعا بكل كلمه قالها الخال لذلك فقد هز رأسه موافقا وهو يقول:

- "صح يا خالو.. عندك حق.. هي شوية جرأة"
- "لازم أتوكل على الله.. وأجمد قلبي شوية بشوية"

ابتسم الخال وقال مداعبا:

- "إيه؟ يلا نرجع الجامعة.. وتصور مع قناة الحلم..؟"

ضحك "فنكش" ضحكة قصيرة قبل أن يقول:

- " مش للدرجة دي يعني.. وبعدين ماما عاملة صينية بطاطس باللحمة النهاردة.. معقول أفوتها وهي طالعة من الفرن سخنة علشان حتة انترفيو"

تعالت ضحكات الخال ولم يقطعها صوت موبايل "فنكش" الذي أعلنت رناته وصول رسالة قصيرة..

أخرج "فنكش" الهاتف من جيب "الجينز" ونقر أزراره قبل أن يبتسم متمتما:
- " ده عمرو الروش.. باعتلي: كلمني شكرا"

وضحك في نفسه - لأنه لم يكن معه رصيد هو الآخر- ثم تابع النقر على أزرار هاتفه مرسلا رسالة "كلمني شكرا" هو الآخر بدوره إلى "عمرو الروش"..
لم تمضي خمس ثوان حتى كان موبايل "فنكش" يهتز تحت وطأة رسالة "كلمني شكرا" أخرى من "عمرو"..

لاحظ الرائد "عاطف " ما يحدث لذا قال لـ "فنكش":

- " لو مش معاك رصيد.. اتكلم من موبايلى .. خد راحتك يا واد يا عبيط"

ابتسم "فنكش" شاكرا, ومد يده يلتقط هاتف خاله من تابلوه السيارة, وضربت أنامله أرقام هاتف "عمرو الروش" قبل أن ينساب صوت الأخير عبر سماعة الهاتف:

- " باركلي يا معلم.. صورت مع قناة الحلم يا معلم"

كان صوته فرحا للغاية.. ويكاد يطير من الحماس, ولم يتح الفرصة لـ "فنكش" لأن يبارك له بالفعل فقد تابع بنفس النشوة:

- " وعلى فكره , سألوني بعد التصوير لو فيه معايا صور شخصية ليا.. أعطيتهم صورنا أنا وانت اللي اتصورناها أول امبارح بموبايل عبده الحريت"

ضحك "فنكش" ضحكة قصيرة قبل أن يقول:

- "طيب وماعرفتش هايعرضوا الكلام ده امتى؟؟"

اجاب "عمرو" بلهجته الطفولية:

- "قالولي, هايمنتجوا الكلام ده في أسرع وقت .. وهايعرضوه قريب جدا جدا"

وتابع:

- "على فكرة.. عمرو وسلمى صوروا برضه مع القناة.."

* * *

(صباح اليوم التالي)

استيقظ "فنكش" في حوالي الحادية عشرة صباحا.. لقد نام بعمق بعد وجبة العشاء الدسمة, وبعد أن التهم نصف صينية البطاطس بمفرده
لم يكن لديه محاضرات اليوم, لذلك فلم يكترث كثيرا لاستيقاظه في هذه الساعة المتأخرة نسبيا..
كان لا يزال راقدا على فراضه.. مد يده ليفتح الشباك الخشبي بجانبه, فانساب ضوء النهار ليغمر الغرفة
أحس ببعض النشاط مع احساسه بدفئ الأشعة الذهبية.. لذا فقد التقط شهيقا عميقا.. وابتسم.. وقفز من فراشه متجها صوب باب الغرفة

- "صباح الخير يا ماما".. قالها مع قبلة انطبعت على وجنة الأم الحنون

- "أوضب الفطار؟؟".. قالت والدة فنكش بعد أن ردت القبلة قبلتين مشفوعتين ببعض الأدعية من طراز "صباح الهنا يا بني, ربنا يروق بالك دايما.. الخ"

اتجه "فنكش" صوب الحمام قائلا:

- " هاضرب نسكافيه باللبن, واقعد اذاكر شوية.. لغاية ما نفسي تتفتح ع الأكل" .. كان قد عزم أن يبدأ مذاكرة لإمتحانات آخر العام, ضمن الوعود التى أخذها على نفسه بالتغيير وتحمل المسؤولية

مطت الأم شفتيها وتنهدت بمعنى: "كما تريد يا ولدي"

واتجهت نحو التلفاز الموضوع في ركن الصالة -والتي هي بمثابة غرفة معيشة- لتفتحه على احدى قنوات القرآن الكريم والتي تسليها أثناء عملها اليومي

ولم تكد تفتح الجهاز وتقلب قنواته المختلفة.. حتى طالعها وجه مألوف

- "شادي.. صاحبك طالع في التليفزيون"

رفعت صوتها بهذه الكلمات, وعلى اثرها انسحب "فنكش" من الحمام مرتدا الى الصالة

- "إيه ده, ده الواد الحريت وسلمى"

ابتسم وهو يرى صورة صديقه على الشاشة وبجانبه رفيقته سلمى

- " أنا مش ناوي أعيش في مصر ولا لحظة واحدة بعد التخرج.. "
- "مصر ايه يا فندم.. حضرتك مش شايف التخلف..؟؟"
- "مش شايف الزبالة اللي ماليه الشوارع.. ؟؟"
- "مش شايف البيروقراطية والجهل في كل مكان..؟؟"
- "أنا ماليش مكان هنا يا فندم.. أنا مكاني مع الناس المحترمه.."
- "بره.. مش هنا"

ماتت الإبتسامة على وجه "فنكش" وهو يتابع كلمات صديقه والتي خرجت من فمه ككقنابل محشوة بالغيظ والكمد الشديدين


(يتبع)
 

 

 
 

الحكيم فنكش © 2008, الحقوق محفوظة لشركة أندلس للإنتاج الرقمي