|
::
الحلقة
22:
"مايكل كلايتون"

ارتدى "فنكش" القميص والجينز على عجل وجلس
على حافة فراشه ليرتدى جوربه.. وفجأة تذكر
أنه لم يصلي "العصر".. سمع نفسه للحظات
تخبره: "مش مشكلة العصر.. بسرعة علشان
تلحق الفيلم".. لكنه قرر أن يتوضأ ثم صلى
أربع ركعات خفيفة, ودعا الله خلالهما أن
يجد حلا لمشكلة مرعي.. نزل بعدها من بيته
متوجها إلى مكان اللقاء مع عمرو.
وأثناء ركوبه في المايكروباص متوجها إلى شارع
مكرم عبيد, لفت نظره امرأة عجوز فقيرة تجلس
على جانب الطريق وتفترش "بطانية" قديمة مهترأة
وتضع بجانبها بضع حاجيات قديمة بينما تمسك في
يدها عبوة عصير – ألقاها أحدهم- تحاول أن
ترتشف منها ما بقي فيها من قترات.
-
"مسكينة.."
تمتم لنفسه, وتمنى لو كان مترجلا, لأعطاها
جنيها أو اشترى لها علبة عصير كاملة.
وفي تلك اللحظة أيضا أدرك أنه ينعم بحياة
كريمة جدا وأن الله وفر له العديد من الأشياء
التي يتمنى نصفها أو ربعها الآخرون.. على
الأقل لديه منزل, ولديه عائلة, وينعم بالصحة,
معه موبايل, وفي جيبه نقود, يتعلم تعليم
جامعي..
-
"مسكين.."
قال لنفسه, متابعا:
-
"أنا مسكين.."
واتضح أنه قالها بصوت عالي نسبيا, حتى أن جاره
نظر إليه باندهاش.. إلا أنه لم يعر ذلك
انتباها كبيرا.. فقط استمرت أفكاره في
الدوران:
-
"عندي حاجات كتيرة مش موجودة عند ناس كتير..
بس برضه مش حاسس إني سعيد.."
كان الميكروباص قد وصل إلى طرف شارع "مكرم
عبيد" من ناحية طريق "الأوتستراد" ولمح "فنكش"
ببصره المحلات الفخمة والشباب والبنات
المتجولين على الممشى الجانبي, والآخرين الذين
يقودون سياراتهم الخاصة بنهر الطريق.. وسأل:
-
" ياترى هل أنتم سعداء؟"
مط شفتيه واستعاض عن محاولة التفكير في الأمر
بمحاولة عبور "الأوتوستراد" المزدحم.. عبره
واتجه ناحية طريق جانبي مؤدي إلى مول "سيتي
ستارز" القريب.. سار قليلا في اتجاه أقرب مدخل
للمجمع العملاق.. عبر المدخل ثم البوابة
الأمنية واتجه ناحية مجمع السينمات حيث سيقابل
"عمرو"..
غمره جو المول الضخم.. والمحلات الغاية في
الأناقة.. الهواء المكيف.. الأرضيات النظيفة
البراقة.. رواد المكان المتأنقين..
شعر لحظتها أن العالم لا توجد به مشاكل, لذلك
ابتسم متهكما وهو يخرج هاتفه الجوال من جيب
الجينز, قبل أن يتصل بـ "الروش"..
-
" انت فين يا بني؟"
أعطاه "الروش" الإحداثيات الدقيقة لمكانه, ولم
تمضي دقائق إلا والصديقان معا, و "عمرو" يصافح
"شادي" بشقاوته المعهودة قبل أن يسأل:
-
"فاضل على الفيلم نص ساعة.. تحب نعمل إيه؟؟"
ربت "فنكش" على كتفه مجيبا:
-
"مش عارف تحديدا.."
واكتشف فجأة أنه لم يتناول طعاما منذ فترة..
اكتشف أنه جائع, لذلك استطرد بسرعة:
-
"ولا أقولك.. تعالى نضرب اثنين برجر بسرعة.."
أشار "الروش" بإبهاميه إلى الأعلى في حركة
مشجعة, لذلك حثا الخطا إلى ساحة المطاعم..
وطلبا طعامهما من "مؤمن".
وأثناء عدة دقائق انتظروا فيها تجهيز طعامهم,
لاحظ "فنكش" حركة عيني "عمرو" التي تتابع
الفتيات جيئة وذهابا..
-
"عينك يا بني.. "
قالها "فنكش" بلطف, مما جعل "الروش" يشيح بيده
متمتما : "كبر دماغك" .. وعلى شفتيه نفس
الإبتسامة الطفولية الشقية اللامبالية بشئ..
فكر "فنكش" للحظة, "هل عمرو سعيد بما يفعل؟ هل
يشعر بالسعادة لمجرد أنه يتابع البنات
بعينه؟؟".. ولمرة أخرى لم يدري ما هي الإجابة.
الآن أصبح الطعام جاهزا, وبدأ الشابان في
التهام شطيرتي "البرجر" وأصابع البطاطس
المقلية..
قال "فنكش" وهو يرتشف من عبوة المياة الغازية:
-
"هاتعمل إيه في إمتحان بعد بكرة؟؟"
أشار "الروش" بيده بلا مبالاة معتادة مجيبا:
-
"ملخصات البنات كالعادة.."
داعبه "فنكش" بضربة خفيفة من يده متابعا:
-
"انت ما بتتعلمشي يا أخي.. مش فاكر
السلوكية؟؟"
هز "عمرو" كتفيه كالمغلوب على أمره قائلا:
-
"مفيش قدامي حل تاني؟؟؟"
ثم اعتدل في جلسته وابتسم بخبث قائلا:
-
"انت شكلك على فكرة مزنوق زيي, إيه الحكاية
المرة دي؟؟"
ابتسم "فنكش" بدوره مجيبا:
-
"لأ أبدا.. بس ما لحقتش أذاكر أي حاجة.."
ولاك من الشطيرة للحظات ثم أضاف:
-
"إيه رأيك نكلم عبده.. هو اللي هاينجدنا.."
أطلق "الروش": "يوووووووه" طويلة قبل أن
يفسرها بقوله:
-
"يا عم مش فاكر السنة اللي فاتت.. رحنا له..
وقعدنا قدامه.. وعمل فيها أستاذ.. وطول الليل
قعد يشرح لنا.. ويعيد ويزيد.. ويحل مسائل..
وعمل فيها فيلم.."
-
"أنا عايز ورقتين أقرأهم.. وادخل الإمتحان
أدشهم.. وكل سنة وانت طيب.."
ضحك "فنكش" ضحكة طويلة قبل أن يقول:
-
"ما الورقتين دول هما اللي بيخلوك تشيل مواد
كل سنة.."
وتكلم بجدية:
-
"وبعدين عبده السنة اللي فاتت كان فعلا حريص
علينا.. وكان عايز يلخص لنا أكبر كم خلال
الليلة اللي قضيناها معاه.."
وداعبه بضربه على كتفه متابعا:
-
"يعني الراجل كتر خيره.."
تراجع "الروش" في حركة تمثيلية مرحة, قبل أن
يهز كتفه بمعنى : "خلاص, اللي تشوفه"..
أكمل الصديقان وجبتهما, ثم قاما بإتجاه مجمع
السينمات, وأثناء سيرهما, سأل "فنكش":
-
" بالمناسبة, انت عارف إسم الفيلم اللي
هاندخله؟؟"
بحث "الروش" قليلا في جيوبه, قبل أن يستخرج
التذكرتين, ناول إحداهما لـ "فنكش" وهو يجيب:
-
"ما عنديش فكرة, بس اللي أعطاني التذاكر..
قالي إنه فيلم جامد"
تناول "فنكش" التذكرة وألقى نظرة على عنوان
الفيلم المسجل المطبوع عليها, وقرأ بصوت عالي:
-
"
Michael Clayton"
كانا قد وصلا لمجمع السينمات بالفعل, ولمح
"فنكش" بوستر الفيلم الذي يحمل صورة الممثل
الأمريكي "جورج كلوني", فغمغم:
-
"عموما كلوني جامد.."
كان قد بقي على بدء العرض ما يقل عن الخمس
دقائق, قضاها الصديقان في مطالعة بوسترات باقي
الأفلام والتي زينت جدران مجمع السينمات, قبل
أن تحتويهما قاعة العرض الأنيقة..
-
"استرخي وانسى الدنيا.."
قالها "عمرو" لـ "فنكش" وهو يغوص في مقعده
ويسترخي بالفعل بينما خفتت الإضاءة تماما
إيذانا ببدأ العرض..
كان الفيلم يحكي عن "مايكل كلايتون" المحامي
بإحدى شركات المحاماة الكبرى, والذي يحاول كشف
قضية فساد تختص بشركة عملاقة, وينجح في نهاية
الأمر بإيقاع المسؤولين عن هذا الفساد قبل أن
يتأذى عملاء تلك الشركة.
* * *
تمطع "فنكش" بعد العرض, وابتسم قائلا لـ
"عمرو":
-
"فيلم شديد فعلا.. الواحد ما حسش بالوقت"
وافقه "الروش" بهزة من رأسه وبقوله:
-
"شفت في الآخر لما كلوني كان بيسجل كلام
الأستاذة بتاعة الشركة من غير ما تعرف؟"
-
"شفت شكلها لم عرفت إنه كان بيستغفلها؟؟"
وضرب كفا بكف –كعلامة للإعجاب والتعجب بنفس
الوقت- وأطلق : "يا نهار أبييييييض" طويلة..
في هذه اللحظة تجمدت الإبتسامة من على وجه
"فنكش" وحل محلها علامة تفكير عميقة, كان قد
نسى تماما مسألة "مرعي" والحوار الهاتفي الذى
دار بينهما من ساعات.. لكن كلام "الروش"
السابق جعله يفكر في طريقة يمكنه بها إثبات
براءته لـ "مرعي" وأنه لم يخنه على الإطلاق..
-
"هايل.."
قالها لنفسه, ثم ضحك ضحكة ارتياح كبيرة وهو
يضرب على كتف صديقه مداعبا ومكررا كلمته لكن
بصوت أعلى وسط ضحكاته:
-
"طبعا هايل.."
ضحك "الروش" بدوره وهو يأكد:
-
"طبعا فيلم هايل.."
(يتبع )
|