|
::
الحلقة
21:
"محادثة غاضبة"

لم يكن "شادي" يتوقع مثل هذه المكالمة في
مثل هذا الوقت على الإطلاق..
بدا له صوت "مرعي" جافا وبدا وكأنه يحمل
العديد من الإنفعالات المشحونة بالغضب, لذلك
فقد اهتزت يد "فنكش" التي تحمل الموبايل وفكر
لمدة ثانية عما سيقول لـ "مرعي" في ظل هذه
الظروف الحساسة.. لكن الأخير لم يمهله, فقد
بادر بقوله:
-
" إنت أعطيتني كلمة وأخلفتها يا شادي؟؟"
مرة أخرى كان بطء استجابة "فنكش" عائقا منعه
من الرد بسرعة, مما أعطى الفرصة لـ "مرعي"
ليتابع:
-
"أعطتني كلمتك إن أي حاجة تشوفها في مجتمعنا
ما تنقلهاش لأحد على الإطلاق"
-
"لكن واضح إنك نقلت كل شئ.. كل حاجة"
-
"حتى رحلة الصيد.."
هذه المرة حاول "فنكش" أن يتمالك أعصابه – وهو
الذي يقابل مثل هذا الموقف لأول مرة- ونجح في
تكوين جملة مفيدة:
-
" لا يا مرعي أنا ما نقلتش حاجة.."
وكاد أن يستكمل كلامه, إلا أن نبرة الغضب
والسخط تعالت عبر صوت "مرعي" الذي قاطعه
بقوله:
-
" مش معنى إن إحنا اختلفنا يوم رحلة الصيد على
مسألة النقاب إنك تروح للأمن وتبلغ عني وعن
الشباب كلام ما حصلش.."
واستمر هجومه:
-
"إنت عارف إحنا اتبهدلنا قد إيه يا شادي
بسببك.."
-
"عارف يعني إيه إن بيوتنا تتفتش؟"
-
"وعارف يعني إيه إن أنا وزملائي نبات في
السجن.."
أحس "فنكش" بغصة شديدة في حلقه وحاول أن يدافع
عن نفسه, لكن عاصفة الغضب التي تواجهه منعته
من مجرد ترتيب أفكاره وتحديد كيفية الرد, كان
عامل الزمن مهما في هذه المحادثة.. وكان من
الواضح أن "مرعي" قد اتصل به خصيصا ليكيل له
هذا الكم من الإتهامات القاسية التي هو منها
برئ ليشعره بفداحة الأمر, وبالظلم الذي وقع
عليه.
وفي النهاية ألقى "مرعي" هذه الكلامات:
-
"عموما إنت طلعت خاين للأمانة.."
-
"ومش هاقول أنا وزملائي غير حسبنا الله ونعم
الوكيل.. فيك"
وكرر:
-
"حسبنا الله ونعم الوكيل فيك.."
ولم يمهل "فنكش" وإنما أنهى المكالمة.. تاركا
الأخير وقد انسكبت دمعة من مقلته..
* * *
كان "فنكش" لا يزال داخل المطبخ, وكانت أبخرة
براد الشاي تتصاعد بسرعة مع الغليان المستمر
للماء.. انتبه "فنكش" للبراد, لذلك مد يده
ليطفئ الموقد – وكان واضحا تماما أن مشروع
"كوب الشاي بالنعناع" المصاحب لمذاكرة هادئة
كان قد تلاشي تماما من عقلية صديقنا- .
جلس على مقعد صغير بالمطبخ, وهو لا يزال يشعر
بغليان داخلي, حاول أن يفكر عما يجب فعله مع
"مرعي" وعن الكيفية التي يمكن بها أن يبرأ
نفسه.. فمن الواضح أن "مرعي" مقتنع بنسبة مئة
بالمئة أن "فنكش" هو من قام بتسريب المعلومات
عن الرحلة لأنه الشخص الوحيد الغريب عن
الجماعة الذي حضر الرحلة وكان موجودا وسط
الشباب.. يسمع ما يقولون.. ويرى ما يفعلون.
-
"إذن كيف يا شادي ستقوم بالدفاع عن نفسك؟؟"
-
"ما الدليل أنك لست خائنا.. وأنك لم تشي بأحد؟
ولم تنقل كلاما خاطئا عن أحد؟؟؟"
هكذا كان يحدث نفسه, وقدمه تهتز بإيقاع عصبي
يعبر عما داخله من توتر جم..
استمرت جلسته هكذا لمدة خمسة عشرة دقيقة
كاملة.. يحاول أن يصل لحل.. دون أي جدوى..
وللمرة الأولى لاحظ الحركة العصبية لقدمه فقرر
أن يغادر المطبخ متجها إلى غرفته..
أغلق باب غرفته بهدوء واتجه ناحية مكتبه..
وأخرج من أحد الأدراج كراس كبير للرسم وعدة
أقلام خشبيه للتلوين..
أمسك بقلم أسود ثم قام بتشغيل جهاز الكمبيوتر
أمامه, وانتقى بشكل عشوائي أحد ملفات
"الفيديو" التي يزخر بها جهازه.. وبشكل عشوائي
أيضا انتقى احدى لقطات ملف الفيديو وقما
بتثبيتها..
وتأمل اللقطة للحظات وأصابعه تحكم إمساك القلم
الأسود..
كانت لقطة من فيلم "
Beautiful Mind",
تلك اللقطة التي يتسلم فيها عالم الرياضيات
"جون ناش" جائزة نوبل..
استمر تأمله للقطة ما يزيد عن الدقيقة بقليل,
قبل أن ينكب على الورقة أمامه.. ويقوم برسم
كروكي مبدأي للمشهد..
استغرق منه الأمر دقائق أخرى قبل أن يستكمل
الكروكي, ويعدل خطوطه الرئيسية.. ثم استمر نصف
ساعة أخرى كاملة في تلوين المشهد وتظليله..
في نهاية الأمر أمسك اللوحة الرائعة التي
رسمها بين يديه وقارن بينها وبين المشهد
الثابت المعروض على شاشة الكمبيوتر..
كانت تلك هي طريقته التي يواجه بها الأمور
كلما تعقدت وكلما أصيب بتوتر شديد.. كان يخرج
كل الطاقة السلبية المخزونة من جسده وعقله
وأعصابه عبر الرسم.. وكأنه يجتذب الهدوء عبر
هذه الطريقة..
تأمل لوحته للحظات, وابتسم إبتسامة خفيفة.. ثم
أودع كراس الرسم والألوان درج المكتب مرة
أخرى..
لم يكد يحكم إغلاق الدرج حتى تعالت رنات هاتفه
المحمول..
ألقى نظرة على الهاتف.. وتعرف على اسم "عمرو
الروش" المعروض على الشاشة.. ونقر زرا قائلا:
-
"إزيك يا بني؟؟"
أجابه "الروش" بمرحه الدائم:
-
"تمام يا فنكش.."
-
"بقولك إيه, مش عايز تدخل سينما.. معايا
تذكرتين.. وفيه فيلم أجنبي حلو قوي من الأفلام
اللي بتحبها.."
نعم كانت نفسية "فنكش" هادئة بعض الشئ في هذه
اللحظة, إلا أن قرار المذاكرة الذي قد اتخذه
كان في عداد اللاشئ بعد مكالمة "مرعي", ولم
يكن لديه إستعداد لفعل أي شئ بصفة حالية.
فكر أن يعتذر لـ "عمرو" ويتحجج بالكسل, لكن
"الروش" بادره:
-
"انت ساكت ليه يابني؟؟"
-
"بقولك فيلم أكشن من اللي بتحبهم.."
علم "فنكش" أنه لن يذاكر في الوقت الحالي, وأن
الجلوس في البيت لن يفيده بشئ, لذلك أبلغ
صديقه:
-
"خلاص يا عمرو.. أقابلك فين؟؟"
هلل "عمرو" لموافقة "فنكش" وأخبره بأنه في أحد
"المولات" القريبة بمدينة نصر, وطلب منه ألا
يتأخر عليه..
(يتبع )
|